الثلاثاء، 2 مارس، 2010

رحلة «الصّمت والموت» إلى بغداد


اليوم الأوّل ؛

صمْتٌ مطبقٌ على الأرصفة والإسفلت ، وشوارع طويلة خاوية بعد منتصف اللّيل!

كم كنتُ أحنّ إلى مدينتي ، وكم أهابُ السّير فيها اليوم ، بعد رحلةٍ دامت 14 ساعة وصلتها ، في وقت تهاب فيه حتّى النّجوم أن تضيء السّماء!

ربّما تخاف أن تُتّهمَ بالطّائفية! تخاف أن تُعدَم بسببِ الهويّة؟

سأذهبُ للنّوم علّني أجد في الفجر ملاذاً مِن الخوف والصّمت!

اليوم الثّاني ؛

صخبٌ وصخبٌ وصخب!

زيارتي الأولى كانت لكلّيّة الطّبّ في جامعة بغداد ، وترحيب العميد كانَ مختلفاً ، أشعرني أنّني في خضمّ الحياة ، وما زال لي وجود!

تحدّثنا في أمور الدّراسة ، ولوازم التّعليم ، وكيفيّة تطبيق نشر الثّقافة مع التّعليم ، وقد كان نقاشاً حادّاً بسبب ما للمتحدّثين من تيّارات سياسيّة مختلفة ودينيّة أكثر اختلافاً ، توجّستُ وأنا أشاهدهم يتنازعون على أمور منتهية حتّى في الدّين والإلوهيّة ، وساءلتُ نفسي :

تُرى ، ما سبب كلّ هذا النّقدُ والتّناقض الّلذان ما كانا موجودين في أيّامي الأخيرة هناك منذ 5 سنوات؟

ولم أجد لي ردّاً ، سوى أن أستمع حتّى النّهاية ، وبعدها أدلي بقولي وبما أحمل في جعبتي.

وصل النّقاش إلى نقطة عقيمة ، فتدخّلت بمقترح إبعاد الدّين والسّياسة عن العلم ، والاهتمام بتبادل الثّقافة مع المجتمعات الأخرى ، وهناك استوقفني أحدهم بالسّؤال : ولماذا نبعد الدّين؟ أليس هو عماد وجودنا؟

كان ردّي أنّ الدّين لله والوطن يحتاج الجميع ، لكنّه لم يقتنع وغادر طالباً منّي أن أسترَ عورتي قبل الحديث إليه!

كانت تلك أولى المواجهات مع إنسان متزمّت في حواره ، وحتّى في عقليّة الحوار المتمدّن!

لم أكترث ، وتابعت الحديث عن السّبل الممكنة من أجل بناء جيل خالٍ من رواسب التّفكير الجاحد ، ومن بقايا العصر القديم والخوف ، ورغم كلّ التّرحيب وجدتهم يهابون رحيل زميلهم ، واتّفقنا على لقاء آخر ، يكونون قد ناقشوه حول ذلك ، وطرحوا عليه ما أحمل في جعبتي!

ما لم أكن أتخيّلُهُ ، أنّ الزّميل المنسحب من الحوار كان رئيس شعبة النّاشطين الدّينيّين في الجامعة ، وبدلاً من أن يُدرّس الطّلاّب ماهيّة الفيزيولوجيا الإنسانيّة ، يزرع التّوتّر في عقولهم بين شيعة وسُنّة ، وجنان الخلد ونيران جهنّم ، وقد صُدمتُ ، لكونه طبيباً متمرّساً في المهنة منذ أكثر من عقدين ، ويطرح اليوم فِكراً يُبعد الطلبة عن علمهم بالخوف والتّرهيب!

أتاني المساء مُحمّلاً برائحة الموت والانفجار الّذي راح ضحيّته 32 شخصاً ، تألّمتُ كثيراً ، وزرتُ السّوق الّذي حصل فيه الانفجار ، لأجدهم عادوا إلى أماكنهم ، وكأنّ شيئاً لم يكن ، عادوا يبيعون ويشترون والدّماء المراقة على الإسفلت لم تجفّ بعد ، ولم يكترثوا حتّى لغسلها؟!

تألّمتُ بصمت ، وأنا أعلم أنّ ألمي لا جدوى منه ، فآثرتُ الصّمتَ والمسير ، وها هو اللّيل يأتيني برائحة البارود تعمّ الأجواء ، والنّاس يَعْدون إلى المنازل قبل رنين ساعة الموت للمدينة!

منذ متى وبغداد هكذا؟

لم أجد جواباً لسؤالي ، واستمرّ اللّيل طويلاً مظلماً ، وقد تبعه فجر كئيب بموت عشرة من المُصلّين في احد الجوامع ، بسبب انفجار عشوائيّ؟!

اليوم الثّالث ؛

زرت اليوم ثلاث مدارس أُنشِئتْ قبل رحيلي عن الوطن ، وتحدّثتُ مع الطّلاّب والمُدرّسين ، والكلّ متفائلون ولديهم رغبة في الحوار عن أحلامهم ، من أجل الوطن والشّعب السعيد ، منهم أطفال في صفوف الابتدائية ينتقدون تصرّفات الشّرطة والحيّ ، ويعملون من أجل مساحة آمنة ، يلعبون فيها دون خوف من اختطاف أو قتل ، ونظراتهم أعادتْ لي الأمل في أنّ الغد سيكون أفضل.

التقيتُ بعدها بمجموعة من طلاّب أولى الثّانويّات الّتي تمّ اعتماد مناهجها ، لأجد شباباً واعياً متكاتفاً ، وهدف التّغيير لديه في المقام الأوّل ، من أجل عراق حقيقيّ كما عهدوه في طفولتهم وصباهم ، ولم أخفِهِم فرحي بهم ، بل كنتُ واثقة من أنّهم سيصنعون ذلك العراق بأسس واضحة صريحة وحقيقيّة ، فهم شباب يعرفون أصول القانون والدّين والمعتقد والسّنة والشّيعة والتّاريخ دون زيف أو تزوير ، وفتيات يُحاورن مُدرّسيهنّ وزملاءَهُنّ بكلِّ اعتداد وثقة وعِلم!

هنا شعرتُ أنّ رسالتي قد وصلت إلى مبتغاها ، وكنتُ على استعداد للرّحيل وأنا في قمّة التّفاؤل ، أنّ ما أُهدِرَ من دم على إسفلت الشّوارع، سيجد يوماً اعترافاً بحقيقته لا تجاهلاً ، بل حياة مستمرّة من بعد الموت!

اليوم الرّابع ؛

حان موعد الرّحيل ، ومُجدَّداً التقيتُ بكلّ أعضاء سواسية ، وكم كنتُ أتوجّس ذاك اللّقاء ، فقد كنتُ غريبةً بالنّسبة للكثيرين مِمّن انضمّوا إليها بعد رحيلي ، وقد سمع البعض عنّي ، لكنّ الأغلبيّة لم تعرف حتّى اسمي ، ولم يزعجني ذلك بل على العكس ، رأيتُ في تكاتفهم نتيجة لِما غرست في أرض البعض ، ومِن مقترحاتهم سُبلاً في بناء الدّرب نحو سعادة الشّعب وخيره وبقائه!

ودّعتهم بالكثير من الدّمع ، ودّعتهم وهُم يحملون حلمي نحو الواقع؟!

كانت تلك مشاعري الّتي رغم تضاربها تَسكنني حتّى هذه اللّحظة ، أمّا الآن ، فحان وقت الدّراسة العمليّة لهذه الزّيارة القصيرة واستخلاص النتائج :

أولاً : التّديّن في التّجمّعات الدّراسيّة

لأوّل مرّة ألحظ أنّه بات التّديّن جزءاً إجباريّاً على الطّلبة ، كما كانت الدّروس الحزبيّة مفروضة عليهم في العهد المنصرم من الحكم ، بينما لا تعترف الجهات الرّسميّة بتواجدٍ للتّيار الدّينيّ في الجامعات!

ما هو أصل الرّدّة الدّينيّة في المجتمع ، وما سبب تفشّيه اليوم كوباء ، وكسيْفٍ مُسلّط على الرّقاب؟

في فترة الحصار الّذي فرض على العراق ، توجّه البعض وليس قلّة إلى الدّين ابتهالاً للفرج ، ولكن مع سقوط النّظام في بغداد وانتشار الغزو الثّقافيّ الإيرانيّ في العراق ، طالت العقولَ الكثيرُ من الأفكار الموجَّهة نحو التّبعيّة العمياء لرجل الدّين دون النّقاش والحوار ، وما كان من ردّ فعل للطّيف المسلم الآخر في البلاد ، إلاّ القصاص بنفس الوسائل ، وانتشر الحقد والبُغض بين شرائح المجتمع الّذي كان مُهيّئاً ، بسبب الفراغ الفكريّ والسّلطويّ ، ليسقط في هاوية العنف المُغذّى والمُبرّر دينيّاً ، دون أن تكون هناك عقيدة سليمة تُتَّبَع في السّيطرة على الأمور ، وما انطواء الجيش المحتلّ في ثكناته ، إلاّ سبباً آخر في تفشّي العنف الأهليّ ، فهروبهم من مواجهة ما يحصل داخل العراق ، كان وما زال سبباً في تفشّي الوباء ، وهو في نفس الوقت دليل على أنّ وجودهم ما زال ضروريّاً ، بسبب عدم استقرار الأوضاع الأمنيّة في البلاد ، وكأنّهم يقومون بفعلٍ حقيقيٍّ من أجل تخطّي الأزمة والحوار البنّاء.

ثانياً : تجربة سواسية في التعليم

أثبتت تجربة سواسية في بغداد وغيرها ، أنّ أسلوب التّعليم ومنهجه الثّقافيّ الهادف إلى دراسة الحرّية والتّاريخ ، ووضْع أسس للمستقبل مدروسة من قبل أبناء الشّعب ومعاصري واقعه ، هي الأمثل في الوصول إلى عراق آمن ، مهما طالت مدّة تحقيق الهدف ، فالأساس يجب أن يكون متيناً ، من أجل استمراريّة دائمة في بناء الدّيمقراطيّة والوعي!

قد لا يسعُنا الانتشار أكثر في المرحلة القادمة ، ولكن ما قد تمّ تحقيقه كخطوة أولى ، يجعلنا نسعى نحو المزيد من النّجاح ، كي نجد صدىً واقعياً مؤثِّراً في المجتمع.












http://alhaqaeq.net/?rqid=12&secid=5&art=91308 www.alhaqaeq.net

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق