الأربعاء، 24 مارس، 2010

العراق في نظري اليوم

العراق في زمن اللازمن

بدأت رحلتي مع هذا الوطن الفقيد منذ زمن بعيد, بعيد جدا, تداخلت فيه العديد من القضايا و الصور و المعايشات الفكرية و الإنسانية لتتلوها المعايشة السياسية للأوضاع في العراق فتاهت عني البداية و انتهيت لأبدأ بما لم أكن موجودة فيه من زمن

بعيدا عن السرد التاريخي المعروف للجميع, مر العراق بعدة مراحل كان اهمها مرحلة ثورة العشرين و التي تميزت بانتشار الروح الوطنية و الوعي القومي لدى العراقيين و التي ادت الى نشوء الملكية في العراق عام 1921 و تحول الاحتلال البريطاني الى الانتداب.

انتهت هذه المرحلة عند قيام ثورة 14 تموز\ يوليو 1958 و التي أدت الى قيام الجمهورية العراقية و التي تبعها ايضا انقلاب من حزب البعث على عبد الكريم قاسم في 8 شباط\ فبراير 1963 و الذي أدى الى استلام عبد السلام عارف السلطة و الذي تميز بأنه لم يكن بعثيا, عاد حزب البعث ليقود انقلابا جديدا في عام 1968 و يتولى السلطة بقيادة احمد حسن البكر الذي تنازل عن المنصب عام 1979 لصالح صدام حسين.

رؤيتي للحرب العراقية الإيرانية و نظرة عامة على الأحداث الداخلية في العراق:

بدأ صدام حسين حكمه بحل الجبهة الوطنية العراقية و ملاحقة رموزها الناشطين في معترك السياسة و حل الأحزاب و ملاحقة اعضائها و قتلهم داخل و خارج العراق كي يتفرد حزبه في السلطة. لم تكن تلك المرحلة هي الأمثل سياسيا في العراق لكنها كانت بداية تنمية مجتمعية و فكرية و عمرانية, لينتقل صدام منها الى السياسة الخارجية فألغى المعاهدة التي تم التوقيع عليها مع إيران عام 1975 و اطلق صافرات الحرب على إيران بعد اتهامها بالتجاوز على بعض القرى العراقية

لم تكن تلك هي الأسباب الحقيقية من وجهة نظري الشخصية حول تلك الحرب, فأنا أنظر إليها من ابعاد السياسة الجغرافية المحيطة في المنطقة فالثورة الاسلامية في إيران لم تلاق استحسان دول الخليج التي اكتشف فيها النفط و كانت تحت سيطرة إقتصادية بريطانية و فرنسية و أمريكية و بذلك كان إنتشار الثورة الإسلامية الشيعية في المنطقة امر غير مرغوب به و كان هنا صدام يعتبر نفسه البطل القومي للعرب و حامي البوابة الشرقية لهم فأتت الإيعازات له بإلهاء إيران عن الإنتشار الديني الثوري و التنموي العلمي داخل إيران من خلال الحرب عليها بتمويل من دول الخليج و امدادات معلوماتية غربية و مساعدات تكتيكية عربية أخرى, استمرت تلك الحرب 8 سنوات تم فيها استنزاف الشعب العراقي استنزافا تاما و انتهت الحرب بموجب خطة السلام التي اقترحتها الأمم المتحدة و التي تضمنها القرار رقم 598 عام 1988 عاد صدام بعدها الى بناء قواته المسلحة و تعزيزها حيث كان الجيش العراقي آن ذاك يضم 9 فيالق عاملة و مدربة و مجهزة, كانت العراق في تلك المرحلة الدولة الأكثر إزدهارا في المنطقة و لكن الحياة السياسية كانت مفقودة تماما,

تميزت تلك المرحلة بالقمع الداخلي للشعب العراقي فتحوله الى شعب عسكري تحت سلطة سياسية بحتة افضت الى ان اي قلقلة داخلية كانت تعتبر خيانة عظمى للدولة و هي في حالة حرب و الذي ادى الى الكثير من المآسي من اعتقالات و تدمير منازل و حرق قرى و مقابر جماعية جاءت على رأسها مذبحة الدجيل المعروفة و تبعها قضية حلبجة و التي كانت ساحة لاستخدام السلاح الكيمياوي ما بين طرفي الحرب آن ذاك( العراق و إيران) الذين كانا يحاولان السيطرة على القرية, كان الشعب في توتر مستمر و خوف من السلطة التي تفرد بها حزب البعث في الحكم ليمر عامين من الزمن استمرت فيهما التنمية الداخلية العمرانية و المخططات الدولية من أجل التقسيم الجديد للمنطقة و زيادة النفوذ الأمريكي فيها بعد الاقتراب من نهايات الحرب الباردة بين قطبي العالم السوفيتي و الأمريكي كل ذلك أدى إلى زج العراق في حرب جديدة هي الحرب على الكويت.

الحرب على الكويت:

استند صدام ها هنا في تبرير حربه على الإعلان الذي تم في عام 1960 بعد انسحاب القوات البريطانية من الكويت و الذي يصر على تبعية الأخيرة له و ها هنا بدأ بالمطالبة بها و غزاها عسكريا ليضمها تحت اللواء العراقي

لم تكن تلك الحرب من نسج خيال صدام حسين و لكنها كانت الوسيلة الوحيدة لتبرير الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة كقائدة لقوات التحالف التي طلب منها آن ذاك تحرير الكويت من الغزو العراقي و بذلك اقيمت القواعد العسكرية الأمريكية في دول الخليج و التي استمر تواجدها هناك لسنوات طويلة بعد خروج الجيش العراقي من الكويت و عزل العراق عن المجتمع الدولي و الاقتصادي, مع ملاحظة ان هذا التواجد كان كامل التمويل من قبل دول الخليج بغرض حمايتهم من الخطر العراقي المهدد لهم, و في أثناء ثورة آذار عام 1991 و التي كادت ان تطيح بنظام صدام تحت غطاء الطيران الأمريكي في مواجهة المعسكر العراقي تفاجئ الثوار بانسحاب غطائهم امام الجيش العراقي في مؤامرة ضد الإرادة الشعبية و من أجل استمرارية بقاء جيوش التحالف في المنطقة ليتم القضاء على الانتفاضة بوحشية و قمع الشعب مجددا على يد رجال العسكر و في السجون.

أثناء الحصار الاقتصادي المفروض على العراق و العزلة الدولية التي وجد نفسه فيها ضعفت القوة العسكرية و تحولت تلك القوة الأكبر في الشرق الأوسط و المؤلفة من تسعة فيالق عاملة مدربة و مجهزة الى فيلق واحد فقير التدريب و التسليح امام التطور التكنولوجي العالمي في التسليح و إدارة الأزمات و الحروب, بات الشعب في تلك المرحلة في حال مزرية مع التردي الإقتصادي و الصحي و ضعف الدولة في استخدام المقدرات المتاحة و توزيعها على الشعب, كل ذلك أدى إلى إنهيار في البنية العراقية المجتمعية و تفشي الأمراض التي فاقت التخيل الإنساني للمأساة و تبعاتها, ها هنا وجدت دول الخليج انها لم تعد مهددة من قبل العراق و ما ان قررت ان تنهي ذلك التعاقد ما بينها و بين القوات المتواجدة على أراضيها من أجل حمايتها حتى قررت امريكا غزو العراق لضمان تواجد دائم لها في المنطقة من أجل حماية مصالحها اولا و أخيرا, كل ذلك تحت مسميات نزع السلاح العراقي النووي و اسلحة الدمار الشامل, ليكون احتلال العراق و تحل الكارثة الكبرى في تاريخه باسم الديمقراطية.

الديمقراطية الجديدة و تبعاتها في حياة الانسان العراقي:

لم يكن ذلك التحول في حياة العراقيين الا محط ترقب و انتظار في المرحلة الأولى من الاحتلال كان الحديث الإعلامي موجه من أجل تحقيق بعض الترحيب بالإحتلال شعبيا و لكن ذلك لم يأتي نتيجة لعوامل عديدة كان أهمها في وجهة نظري تلك المأساة التي تعرض لها العراقيين في عام 1991 و التي أدت إلى فقدانهم الثقة في التغيير الخارجي الذي كان محيطا بهم و مع عودة الكوادر الشيعية الى الساحة محملة بخطاب سياسي ديني آت من إيران مشجعا للتبعية العمياء على إعتبار أن جميع من عادوا كانوا مناضلين عظام ضد النظام الحاكم في العراق قبيل السقوط و لم يكن هناك أدنى شك في شخوصهم التي كانت تمثل احتلالا من نوع آخر لعقول الشعب الذي كان يدخل دائرة الحديث المختلف بعد سنين طويلة من خوف و سلطة فردية و حصار موت مقيت, ها هنا لم ينظر إلى ما قامت به تلك الشخوص في المسرحية العراقية الإيرانية و الذين كان معظمهم في تعاون كبير مع إيران ضد العراق و حتى ضد العراقيين الأسرى في سجون إيران. لم يلتفت أحد إلى ذاك الماضي الأسود لهم و اعتبروهم المُـخـَلِــصين المنتظرين للبلاد و المعتقدات و لم يواجهوا الحقيقة العصماء التي كانت نصب أعينهم بأن أولائك ايضا ليسوا سوى وجه جديد للإحتلال الآخر.

كثرت التخبطات في هذه المرحلة و ازداد معها بلوغ العراقيين حدهم في احتمال تلك المأساة المسماه بالإحتلال و انطلاق المقاومة من أجل التحرير.

هذه المقاومة كانت تحمل طابعين الأول كان طابعا سياسيا قاده البعثيين القدماء المطالبين بعودتهم إلى السلطة و الثاني كان مقاومة للمد الديني الشيعي و كلاهما كان يتمتع بالدعم الخارجي من كافة الأنواع المادي و المعنوي و العسكري و هو ما كان له التأثيرالكبير في انقسام الشعب على نفسه و انتشار الطائفية المهولة فيه بين طائفية دينية و أخرى عرقية و هو ما عزز المأساة و زاد الطين بلة في مواقع كثيرة, فبين الفترة الانتقالية التي انقاد فيها الاحتلال الامريكي الى الاسلوب البريطاني في التعامل مع العراق و شعبه و تأسيس مجلس الحكم (و لكن هذه المرة تشكلت فجوة كبيرة بين مجلس الحكم المعين من قبل الاحتلال و الشعب الذي كان و مازال يبحث عن سبل الخلاص منه و كانت نتيجة ذلك حتمية بالتالي ان ينجذب الشعب الى كل من لم ينتم الى مجلس الحكم) و بين الكارثة الأولى في انتخاب دولة لا تمثل الشعب الا بنسب الطوائف و القوميات و الأقليات, ترسخت الطائفية أكثر و أكثر و تحطمت الروابط الاجتماعية كاسرة ما تبقى من وحدة وطنية , للأسف لم يكن هناك تيار واحد قادر على احتواء تلك الأزمة لا من اليسار و لا من الليبراليين او اليمينيين و هنا انطلقت المعارك الداخلية و انتشر المشهد العام في الموت و القتل و الحرب الأهلية الغير معلنة بتسميتها الحقيقية.

تميزت هذه المرحلة بظهور طيف سياسي عراقي منقسم على نفسه انقساما كبيرا مع تعدد أشكال و مسميات الاحزاب و الشخصيات ليتكون هناك أكثر من 300 حزب و حركة جميعها مشاركا في الانتخابات تحت ألوية إئتلافية

و تستمر المأساة تحت وطأة الموت و القتل و التعذيب لننتقل داخليا الى الحديث عن الاوضاع التي تزامنت مع هذه الديمقراطية المزعومة.

في البداية لا بد من تفكيك سريع للمفاصل الأساسية للسنوات الخمس الأولى ما بعد الاحتلال, فبعد ان تمكنت قوات الاحتلال من بسط سيطرتها على العاصمة العراقية بغداد في نيسان \ أبريل 2003 و حققت أولى انتصاراتها العسكرية و السياسية بإسقاط تمثال صدام حسين امام أكبر حشد إعلامي في ساحة الفردوس و وصولا الى ربيع 2008 و الذي كان زمن لأوسع العميات العسكرية تلك التي كانت تنفذها القوات العراقية بمساندة من الأمريكية و البريطانية ضد محافظات و مدن عراقية مترامية الأطراف ( امتدت هذه العمليات من البصرة الى ديالى مرورا بالعمارة و الديوانية و السماوة و كربلاء و النجف و الكون و بغداد)

و بين هذين الربيعين شهد العراق ايام ساخنة تمثلت بآلاف الهجمات التي شنتها القوات الأمريكية و قتلت و اعتقلت خلالها عشرات الآلاف من العراقيين بتهمة انضمامهم الى صفوف المقاومة او تعاونهم معها لتمتلئ السجون العراقية و الأمريكية بآلاف المعتقلين من نساء و رجال و أطفال حيث يتعرضون لأقسى أنواع التعذيب و أشده, و لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل انتشرت ظاهرة الجثث المجهولة الهوية التي ترمى في مكبات الأنقاض و الطرقات في ساعات حظر التجوال حيث تتواجد القوى الأمنية في الشارع, اما عن الخدمات فقد انهارت و وصلت الى أدنى مستوياتها, بل أن الكثير من الإحتياجات الضرورية اختفت من حياة العراقيين كالكهرباء و الماء الصافي و الأدوية و الخدمات الصحية, و احتل العراق المرتبة الأولى في الفساد الإداري و المالي و انتشار الرشوة و تخريب شامل لبنية الدولة و مؤسساتها, و لا ننسى المهجرين الذين وصلت أعدادهم داخل و خارج العراق الى ما يفوق ال 5 ملايين عراقي و نحو هذا العدد من أرامل و أيتام داخل البلاد, كما وصلت البطالة الى 70 % من العراقيين.

ما يجري في العراق هو حرب طاحنة بين القوات الأمريكية و مسانديها من جيوش التحالف من جهة و فصائل المقاومة و اتباعها من جهة أخرى, و كل ما فعلته الإدارة الأمريكية منذ البداية كان و مازال يهدف الى القضاء على المقاومة و التفرد بالسلطة و الحكم لمن تأتي بهم إدارة الإحتلال, لتتم صياغة الحياة الإجتماعية و الاقتصادية و الثقافية و الدينية وفقا للرؤية و المنهج الذي وضعه مهندسو الإحتلال الأمريكي للعراق, و لكنهم بالنتيجة لم يتمكنوا من تقنين الفعل العسكري ضدهم و ازدادت بذلك الأوضاع الأمنية تدهورا.

و هنا نرى ان العراق في مواجهة ثلاثة أخطار رئيسية و هي

1. قوات الإحتلال و هو الخطر الأكثر وضوحا على الساحة و في المشهد العراقي

2. العملية السياسية و التي تهدد الوحدة المجتمعية للشعب

3. الأجهزة الأمنية و التي تأتي خطورتها من الأسس الطائفية و العرقية التي بنيت عليها بالإضافة الى إرتباطها بقوات الإحتلال التي تشرف بدورها على التدريب و التثقيف لخدمة مصالح الإحتلال و حمايته لا حماية المواطنين و تأمين الحرية و الأمن و الاستقرار لهم.

فإلى أين يا وطن سيكون المسير..............................



الثلاثاء، 2 مارس، 2010

رحلة «الصّمت والموت» إلى بغداد


اليوم الأوّل ؛

صمْتٌ مطبقٌ على الأرصفة والإسفلت ، وشوارع طويلة خاوية بعد منتصف اللّيل!

كم كنتُ أحنّ إلى مدينتي ، وكم أهابُ السّير فيها اليوم ، بعد رحلةٍ دامت 14 ساعة وصلتها ، في وقت تهاب فيه حتّى النّجوم أن تضيء السّماء!

ربّما تخاف أن تُتّهمَ بالطّائفية! تخاف أن تُعدَم بسببِ الهويّة؟

سأذهبُ للنّوم علّني أجد في الفجر ملاذاً مِن الخوف والصّمت!

اليوم الثّاني ؛

صخبٌ وصخبٌ وصخب!

زيارتي الأولى كانت لكلّيّة الطّبّ في جامعة بغداد ، وترحيب العميد كانَ مختلفاً ، أشعرني أنّني في خضمّ الحياة ، وما زال لي وجود!

تحدّثنا في أمور الدّراسة ، ولوازم التّعليم ، وكيفيّة تطبيق نشر الثّقافة مع التّعليم ، وقد كان نقاشاً حادّاً بسبب ما للمتحدّثين من تيّارات سياسيّة مختلفة ودينيّة أكثر اختلافاً ، توجّستُ وأنا أشاهدهم يتنازعون على أمور منتهية حتّى في الدّين والإلوهيّة ، وساءلتُ نفسي :

تُرى ، ما سبب كلّ هذا النّقدُ والتّناقض الّلذان ما كانا موجودين في أيّامي الأخيرة هناك منذ 5 سنوات؟

ولم أجد لي ردّاً ، سوى أن أستمع حتّى النّهاية ، وبعدها أدلي بقولي وبما أحمل في جعبتي.

وصل النّقاش إلى نقطة عقيمة ، فتدخّلت بمقترح إبعاد الدّين والسّياسة عن العلم ، والاهتمام بتبادل الثّقافة مع المجتمعات الأخرى ، وهناك استوقفني أحدهم بالسّؤال : ولماذا نبعد الدّين؟ أليس هو عماد وجودنا؟

كان ردّي أنّ الدّين لله والوطن يحتاج الجميع ، لكنّه لم يقتنع وغادر طالباً منّي أن أسترَ عورتي قبل الحديث إليه!

كانت تلك أولى المواجهات مع إنسان متزمّت في حواره ، وحتّى في عقليّة الحوار المتمدّن!

لم أكترث ، وتابعت الحديث عن السّبل الممكنة من أجل بناء جيل خالٍ من رواسب التّفكير الجاحد ، ومن بقايا العصر القديم والخوف ، ورغم كلّ التّرحيب وجدتهم يهابون رحيل زميلهم ، واتّفقنا على لقاء آخر ، يكونون قد ناقشوه حول ذلك ، وطرحوا عليه ما أحمل في جعبتي!

ما لم أكن أتخيّلُهُ ، أنّ الزّميل المنسحب من الحوار كان رئيس شعبة النّاشطين الدّينيّين في الجامعة ، وبدلاً من أن يُدرّس الطّلاّب ماهيّة الفيزيولوجيا الإنسانيّة ، يزرع التّوتّر في عقولهم بين شيعة وسُنّة ، وجنان الخلد ونيران جهنّم ، وقد صُدمتُ ، لكونه طبيباً متمرّساً في المهنة منذ أكثر من عقدين ، ويطرح اليوم فِكراً يُبعد الطلبة عن علمهم بالخوف والتّرهيب!

أتاني المساء مُحمّلاً برائحة الموت والانفجار الّذي راح ضحيّته 32 شخصاً ، تألّمتُ كثيراً ، وزرتُ السّوق الّذي حصل فيه الانفجار ، لأجدهم عادوا إلى أماكنهم ، وكأنّ شيئاً لم يكن ، عادوا يبيعون ويشترون والدّماء المراقة على الإسفلت لم تجفّ بعد ، ولم يكترثوا حتّى لغسلها؟!

تألّمتُ بصمت ، وأنا أعلم أنّ ألمي لا جدوى منه ، فآثرتُ الصّمتَ والمسير ، وها هو اللّيل يأتيني برائحة البارود تعمّ الأجواء ، والنّاس يَعْدون إلى المنازل قبل رنين ساعة الموت للمدينة!

منذ متى وبغداد هكذا؟

لم أجد جواباً لسؤالي ، واستمرّ اللّيل طويلاً مظلماً ، وقد تبعه فجر كئيب بموت عشرة من المُصلّين في احد الجوامع ، بسبب انفجار عشوائيّ؟!

اليوم الثّالث ؛

زرت اليوم ثلاث مدارس أُنشِئتْ قبل رحيلي عن الوطن ، وتحدّثتُ مع الطّلاّب والمُدرّسين ، والكلّ متفائلون ولديهم رغبة في الحوار عن أحلامهم ، من أجل الوطن والشّعب السعيد ، منهم أطفال في صفوف الابتدائية ينتقدون تصرّفات الشّرطة والحيّ ، ويعملون من أجل مساحة آمنة ، يلعبون فيها دون خوف من اختطاف أو قتل ، ونظراتهم أعادتْ لي الأمل في أنّ الغد سيكون أفضل.

التقيتُ بعدها بمجموعة من طلاّب أولى الثّانويّات الّتي تمّ اعتماد مناهجها ، لأجد شباباً واعياً متكاتفاً ، وهدف التّغيير لديه في المقام الأوّل ، من أجل عراق حقيقيّ كما عهدوه في طفولتهم وصباهم ، ولم أخفِهِم فرحي بهم ، بل كنتُ واثقة من أنّهم سيصنعون ذلك العراق بأسس واضحة صريحة وحقيقيّة ، فهم شباب يعرفون أصول القانون والدّين والمعتقد والسّنة والشّيعة والتّاريخ دون زيف أو تزوير ، وفتيات يُحاورن مُدرّسيهنّ وزملاءَهُنّ بكلِّ اعتداد وثقة وعِلم!

هنا شعرتُ أنّ رسالتي قد وصلت إلى مبتغاها ، وكنتُ على استعداد للرّحيل وأنا في قمّة التّفاؤل ، أنّ ما أُهدِرَ من دم على إسفلت الشّوارع، سيجد يوماً اعترافاً بحقيقته لا تجاهلاً ، بل حياة مستمرّة من بعد الموت!

اليوم الرّابع ؛

حان موعد الرّحيل ، ومُجدَّداً التقيتُ بكلّ أعضاء سواسية ، وكم كنتُ أتوجّس ذاك اللّقاء ، فقد كنتُ غريبةً بالنّسبة للكثيرين مِمّن انضمّوا إليها بعد رحيلي ، وقد سمع البعض عنّي ، لكنّ الأغلبيّة لم تعرف حتّى اسمي ، ولم يزعجني ذلك بل على العكس ، رأيتُ في تكاتفهم نتيجة لِما غرست في أرض البعض ، ومِن مقترحاتهم سُبلاً في بناء الدّرب نحو سعادة الشّعب وخيره وبقائه!

ودّعتهم بالكثير من الدّمع ، ودّعتهم وهُم يحملون حلمي نحو الواقع؟!

كانت تلك مشاعري الّتي رغم تضاربها تَسكنني حتّى هذه اللّحظة ، أمّا الآن ، فحان وقت الدّراسة العمليّة لهذه الزّيارة القصيرة واستخلاص النتائج :

أولاً : التّديّن في التّجمّعات الدّراسيّة

لأوّل مرّة ألحظ أنّه بات التّديّن جزءاً إجباريّاً على الطّلبة ، كما كانت الدّروس الحزبيّة مفروضة عليهم في العهد المنصرم من الحكم ، بينما لا تعترف الجهات الرّسميّة بتواجدٍ للتّيار الدّينيّ في الجامعات!

ما هو أصل الرّدّة الدّينيّة في المجتمع ، وما سبب تفشّيه اليوم كوباء ، وكسيْفٍ مُسلّط على الرّقاب؟

في فترة الحصار الّذي فرض على العراق ، توجّه البعض وليس قلّة إلى الدّين ابتهالاً للفرج ، ولكن مع سقوط النّظام في بغداد وانتشار الغزو الثّقافيّ الإيرانيّ في العراق ، طالت العقولَ الكثيرُ من الأفكار الموجَّهة نحو التّبعيّة العمياء لرجل الدّين دون النّقاش والحوار ، وما كان من ردّ فعل للطّيف المسلم الآخر في البلاد ، إلاّ القصاص بنفس الوسائل ، وانتشر الحقد والبُغض بين شرائح المجتمع الّذي كان مُهيّئاً ، بسبب الفراغ الفكريّ والسّلطويّ ، ليسقط في هاوية العنف المُغذّى والمُبرّر دينيّاً ، دون أن تكون هناك عقيدة سليمة تُتَّبَع في السّيطرة على الأمور ، وما انطواء الجيش المحتلّ في ثكناته ، إلاّ سبباً آخر في تفشّي العنف الأهليّ ، فهروبهم من مواجهة ما يحصل داخل العراق ، كان وما زال سبباً في تفشّي الوباء ، وهو في نفس الوقت دليل على أنّ وجودهم ما زال ضروريّاً ، بسبب عدم استقرار الأوضاع الأمنيّة في البلاد ، وكأنّهم يقومون بفعلٍ حقيقيٍّ من أجل تخطّي الأزمة والحوار البنّاء.

ثانياً : تجربة سواسية في التعليم

أثبتت تجربة سواسية في بغداد وغيرها ، أنّ أسلوب التّعليم ومنهجه الثّقافيّ الهادف إلى دراسة الحرّية والتّاريخ ، ووضْع أسس للمستقبل مدروسة من قبل أبناء الشّعب ومعاصري واقعه ، هي الأمثل في الوصول إلى عراق آمن ، مهما طالت مدّة تحقيق الهدف ، فالأساس يجب أن يكون متيناً ، من أجل استمراريّة دائمة في بناء الدّيمقراطيّة والوعي!

قد لا يسعُنا الانتشار أكثر في المرحلة القادمة ، ولكن ما قد تمّ تحقيقه كخطوة أولى ، يجعلنا نسعى نحو المزيد من النّجاح ، كي نجد صدىً واقعياً مؤثِّراً في المجتمع.












http://alhaqaeq.net/?rqid=12&secid=5&art=91308 www.alhaqaeq.net