الخميس، 2 فبراير 2023

 

منتهى الإغراق

 

يا أيها الرجل القديم،
يا صاحب الظل الذي أُخَضِره
مثل التي أسميتها نخلة
وريقة بائدة رأيتها
وجدتها في سلة النهر
وقد لمست فيها عبقًا ليس غريبًا
في خياشيمي؛
أتعلم من تذكرني بها
بفسحة الحياة
تزدان بطعم الشهوة العريق
ترمقني كما انطلاق
عابر بحرقة الشهيق
بلوعة المشتاق
يوم يلمس الحريق
بوطأة القهر على العشاق
بمنتهى البريق
تنثال كالدمع على الدم المراق
تجعلني أفيق وإني لا أفيق
فكل ما لدي صحوة انعتاق
تطيقني ولم أعد أطيق
كأنها تمنحني الفراق
وتأخذ الروح من الغريق.

يا اللا تطاق
يا لمبدئ المعيد
يا مانح الأحرار حرقة العبيد
يا منتهى الإغراق
يا العظيم في دمي
والمستطير في تلال أنجمي
شيطاني الملاك
ملاكي الشيطان
كل الليالي خامرتني
يا القديم
كل السواري مزقتني
يا القديم
حتى اسمي المباح ينكرني
وأنكر ربه
الذي عمى
وإنني رأيت
وكنت في جوف المدينة
والغراب فوقها
وعالم من القطط.

في زمن الطوفان مات والدي
وكان قبطان السهول
في زمن الطوفان قطَّعت حبالي كلها
من ثم عريت القصيدة
وكان فوق العرش دجال
وعكاز قديم
وكان في بستاننا كلب مريض
وكانت المغول
وكان سبي
ونهر من حروف
ثم نهر من دماء
وبلاد بين نهرين
وعشتار بلا مأوى
بلا أوثان من لذة
وذلك السرير قد أحرقت في أرجله كل الأدلَّـة.

وما استطاع ذلك العهر
بأن يُنْسي عصافير شبابيكي
روايات المذلَّـة
.

يا سيدي القديم
في أي المصابيح أواريك
على أي المشاعل
وفي أي الحقول المزهرات أرتجيها
كما كانت تريد
وما أزال حاملة جثة بيتي
حيث ما حللت
حيث ما رحلت
وما أزال باحثة عن وطنٍ
أو مقبرة.


من ديوان #طفل_القمر_الزجاجي

#نداء



 

 

السبت، 3 ديسمبر 2022

ربُّ المزامير

 

 

تَغلغَلتْ بيني وبين أضلعي
شمسُـك يا رب المزامير
التي هوت من السماء
فاستمالتني إلى بحيرة البجع
تناسلت مثل النجوم
واشرأبت كاللظى
فأمطرتني سُدُماً من الوجع
مارستُ فوق الرابية
غواية الحلم
وموت القافية
ومطلع الجحيم من براثنك
وصولة الشبق.


لي من الحُلْم ثمان
ثم عشر من كروم غافية
ثم من أوهام حناءٍ لي عشر

وما تبقى من شذاي
سوف يصلبني بعشر على بوابة الفجر
مسيحًا ناسيًا صلاته الأولى
وسطرًا من غزل.

النخل فراتيٌّ
ومات مسلوبًا على ساقية العطش
يرقب موته رب القرى الأخرس
يعكس في دماه المشنقة.

يا أيها الثوار
قد ذبلت راياتكم
فاتخذوا ربًا لكم
ولتعبدوا زناته في كل يوم
ولتمسحوا أحذية العهر
وتبكوا عليَّ.

 

حين اختفى الرئيس من مقعده
تصدعت كل الجبال
غارت الأنهار
وأزهقت أجنة الأرحام
إن الرئيس رب كل الكائنات
سيد الغلمان
قارئ الغيب
على مصطبة الرمل
وجحر الانتقام.

للعهر أسياد
وللوعي ثقافة
وللخيام الحمر من ذاك ومن ذا
فاحترس في أي لغم ستعود.


يا سيد الأشجار
إني قاحلة منذ الظلال
والكروم لم تكن سوى حصى
قد ذقت وهن الملح

وطعنة المفاجأة
وغربة التصفح الكبير
بين لمحة العين ولفح الشمس وسيقان الطريق
إنني أبصره صليبي المنصوب
فوق التلة الجرداء.


يداك خطت اسمي المنسي فيه
بكل جرأة الذبح
ولون المشرحة
ممسك أنت برمح الضلع
والشهيق راعف
وقبعات للجنود زانية.

من قال بأن لسنا على الأوتار
قد تدمى قلوبنا
من قال إن الحب أعمى
والذئاب مبصرة
من يُسلم الحورية الخمرية القسمات
للذئاب
ومن يذبحني عند الحروف
كيما أتنفس؟

ملحد أنت وذاك الرب
قد أوحى إلي بالترجمات اللزجة
طريقنا يمتد من بغداد
حتى سلَّم الغربة
ثم تختفي النجوم
تنسل خطانا هاربة
ينقطع الإرسال صوب قبرك
المطعون أبي
وترقد الخطيئة.

إنني أراكَ يا صياد عشتار
يا أعمى الطريق والخطى
وتلك أشلاء حروفي
فوق ثغرك
راقب الباب فإن الريح
قد تقتحم الطائرة الممزقة
تنسم آخر النشيج
فأنت لن تعود
لن
تعود.




الأحد، 27 مارس 2016

عن أبي أتحدّث

يفاجئني بالحضور بين الحين و الآخر، دون سابق دعوة ولكن لوجوده بشكل أو بآخر معان كثيرة في حياتي. بالأمس كنت منشغلة عنه و مع ذلك ذكرته مرتين على الأقل، واحدة كانت في مشهد عابر، و الأخرى كانت انتقادا لخيارات اختارها في زمن ما قبل المضي إلى العوالم الأخرى.

الخوف يعتريني فلا أجد ملاذا إلا بعض ذكرياتي معه، كالأيام التي كان يرفعني بها على كتفيه و يسير بي في شوارع دمشق القديمة، يحدثني عن التاريخ وعن التواضع، يحدثني عن بغداد وعن جدتي، يحدثني عن النخيل والنهر والبيت العتيق الذي كان يعشق.

كانت ذكرياتي معه كثيرة جدا، و لكن، وبعد مرور ربع قرن، اكتشفت أنها لم تكن بشيء يذكر أمام الحياة التي عشت، ومع ذلك صاغتني كلماته على حالي اليوم.


نعم كلماته تلك هي التي صنعت مني تجسيدا له و لأحلامه و بقائه.


اللوم و العتب ما عادا يجديا نفعًا مع الموت، في كل الأحوال هو يأتيني.

في كل الأحوال لا أتمنى أكثر من زيارته.


إنه أبي


السبت، 2 مايو 2015

لم تتعلّم الانتقام



نال منها الاستياء، في لحظات معدودة.




تأجّجت مشاعر الغضب داخلها، لاسيّما أنَّ أحدًا لم يسمع يومًا صراخ روحها المتكرر.

غابت البسمة عن ثغرها، ذاك الذي كان يصدح بالغناء، ويوزّع الفرح على الأموات والأحياء.




لم تكن تلك ليلة عابرة، بل كانت في الحقيقة الليلة الوحيدة التي شعرت بالحياة فيها، لأن الألم هذه المرّة كان أكبر من أي ألم سبقه، لأنها اكتشفت أنّها، على الرغم من كل تضحياتها، كانت عرضة للغدر.. على مدار أعوام عدّة.




ابتسمت، وبثقة قالت.. سأكون صديقة جيدة حتى إن تألّمت.. سأكون نفسي، لأني لا أعرف كيف يغدر الأخرون، ولأني لا أحتمل غدرهم، لن أكون يومًا سببًا في ألم أي آخر كان، قريبًا كان أو بعيدًا.. أنا لم أتعلم الانتقام.




غسلت الدمع من بين جفنيها، تناولت لفافة التبغ، ورشفة أخرى من فنجان قهوتها.

ودّعت البحر

وغاصت في أعماق زنزانتها.. تنتظر ربما سكين غدر أخرى.



الثلاثاء، 28 أبريل 2015

وهم



عندما يبتعد العطر عن الأزهار خجلاً

والكآبة تتبع كل سعادة ظننت أنك عشتها

حينها فقط تعرف حجم الوهم الذي اخترت الغرق فيه


علك بعدها تستفيق

السبت، 18 أبريل 2015

فراغ حدَّ الفزع



كان الفراغ كبيرًا حدَّ الفزع
والأمنيات الصغيرة تهاوت في ثقبه الأسود
فقط لتُقتلَ في الظلام..

زهرة جوريّة لم يتفتّح برعمها
والحياة مخضّبة بالدم
والخائن يجلس على عرش
يبكي زهرة داسها بأهدابه


لمحة من عمر يتضاءل

غربة!!

لطالما كانت كذلك
وهكذا ستبقى مع كل خيانة وغدر



الخميس، 16 أبريل 2015

بعدما صمت دهرًا



تلك الليلة الصيفية الهادئة، لم تكن سوى ليلة عابرة من ليال كثيرة، تفرّقت بها الدروب، وانكسرت فيها خواطر الوحدة والغربة.

اعتراها الامتعاض من ما مضت عليه الأيام، استنكرت احتجابها عن الحياة، لكنها أقرّت أنّه قرار اتّخذته، بكامل وعيها ومعطياتها في حينه، ولكن أيصلح أن يستمر لأكثر من عشرين عامًا..

صمت الفكر لدقائق مستمعًا لنبض القلب، ذاك الذي لم يتوقف يومًا عن سؤالها في شأن الحياة ومبتغاها، بدايتها ومنتهاها، تسمّر الزمن فيها دون ضحكة يذكرها، أو متعة نبض لأجلها..

وفي خضم ثورة أسئلته، بعدما صمت دهرًا، علمت أنّها أضاعت عشرين عامًا في الغياب، لم تجن منها سوى العذاب، وتساءلت، ترى هل يمكنني أن أعود؟

الأحد، 12 أبريل 2015

لم أغفر لك رحيلك






كتبت لك الكثير من المراثي، وقصائد هجاء في كل موقف بحثت عنك فيه ولم أجدك..


لم يكن لديّ ما فجعني بالحياة كفجيعتي بك، فرحيلك عني لم يكن مجرد حادثة جاءت مباغتة، بل كان موتي وموتك في ساعات الصباح يتكرر كل يوم.



أجل أبي، لم أغفر لك يومًا رحيلك عني مبكرًا، ومع كل سكين يغرز في ظهري أذكرك وأتساءل أتراه كان ليغرز هنا لو كنت موجودًا.. كم من الخيارات ندمت عليها وسألتك رأيك ولم تجبني



أعلم أنك تسمعني


أعلم أن موتي اليومي لم يكن في غفلة منك، لأنك السبب فيه، فلم أجد بعدك من يمنحني السكينة، من يمنحني تلك العاطفة التي كنت تغرقني بها، وكأنك كنت تزودني بما يكفي لما هو آت من بعدك في عمري



بك أواجه اليوم أقسى منعطف في حياتي ولك أفعل ذلك لا لنفسي، فلو لم تكن أنت كما كنت ما اكترثت اليوم لما أصبحت.


كنت وطني وكنت نداءك فلما غربتني باكرًا في رحلتي، أكاد لا أغفر لنفسي بعدي عن قبرك، ولا أغفر لك وجودك فيه


.......



مازلت أحلم بك كلما طرق بابي أن أجدك خلف تلك الكتلة الصمّاء


مازلت أغيب في حلمي معك نحو تلك الزرقة على شاطئ ذهبي كنت تتعمد أن تحملني إليه، أو ربما حملته إلي.



أتراك سترسل طيفك هذه الليلة تمسح عن عيني دمعها، وتزيل من قلبي كل تلك الشظايا التي خلفت بغيابك؟



طال غيابك عني في صحوتي والمنام، وطالت غربتي بين موت وسقم يأبى أن يرحل يا أبتي

على مقام الحزن

يرفرف العمر على مقام الحزن

هناك حيث حاولنا دفن الدموع قبل أن تغزو غدنا كما اجتاحت أمسنا
هناك فقط نجد الياسمين فواحًا بالذكريات، مبتسمًا لماض فاتتنا فيه الحياة ولم يفتنا
نتجاهل تلك اللحظات ونمضي
ربما بابتسامات ترتسم على الروح جرحًا جديدًا
يختزل معاني الحياة الزائلة يومًا مع الرياح


الخميس، 9 أبريل 2015

بدمعها اغتسل البحر



جاءته متّشحة بالسواد حزينة
واستقبلها ثائرًا هادر الصوّت عنيف

خلع عنها وشاح الحزن الذي غطّى وجهها
وبدمعها اغتسل البحر


ذاب في سواد عينيها المساء
وانقشعت معه سحب الشقاء

تسلل البرد إلى قدميها
للمرة الأولى تشعر به يجتاحها
يغرقها ببحور صافية اختزنها من دمعها

قال لها: الله
فقالت مردّدة حتى ابتلعها الغياب

الله

وما خنق العذاب







مزيد من الملح في جرح لم ينضب دمه بعد

رائحة العفن تفوح من كل كسرة حجر في المعتقل

فمن مر هناك عرف كم من الدماء ذرف



الروح تنعي الموت بعد أن غاب

في سجون لم تعرف في ما العقاب

والبرد يعلو على القلب سورا
يخنقه وما خنق العذاب



لا تذكرني بموتي
فالموت في عين الغريق حلم باق
ليس في عذابي لذة لسوطك
وليس فيك قلب يرى السماء



لن أرتدي ثوب الرماد لأجلك
فكفى أن تكحلت روحك بدماء الأبرياء
وسور سجنك مهما علا
لن يكسر جناح الطير
ورائحة المساء

الأربعاء، 8 أبريل 2015

وحيدة على غصن أخير



خرجت ذات مساء عازمة الهلاك في مياه البحر، اختارت وقتًا يكون فيه الجميع قد غادروا إلى أعشاشهم، المضيئة أو المظلمة لا يهم، لكنهم امتلكوا أعشاشًا وهي ملّت الوقوف وحيدة على غصنها الميّت.


خرجت تلهو بخصلات شعرها، وتستذكر لحظاتها، التي لم تختلف كثيرًا عن سواد عينيها، لفحتها نسمات هادئة.. استقرت نفسها، وهي تجد السبيل إلى الموج، حيث أرادت أن يكون وداعها الأخير للأرض في البحر.


داعب الرمل قدميها، وصولاً إلى الماء، وقفت هناك، والموج يأتي ويذهب والرمل يغوص بها أكثر، ظلّت طوال الوقت تفكر بسنيّها التي عاشت، وحيدة على ذاك الغصن الأخير، للشجرة الأخيرة، الشاخصة على تاريخ الأمم في مماتها.


لم تحلم بوداع أخير للأرض أجمل من ذلك، بدأت تخترق الأمواج، واحدة تلو الأخرى، حتى أغرقها الماء فيه، استقبلها بحفاوة المنتصرين.


أفاقت بعدها وسط جزيرة تحمل شجرة وحيدة، ذات غصن وحيد، فعادت لتقف عليه تتأمل الموج، ويداعب خدّها النسيم.

الثلاثاء، 7 أبريل 2015

غدر تلو آخر.. وهي تبتسم


لطالما كانت العثرات سمة تميّز طرقها كافة، في بحثها عن الحقيقة، عن وطن تسكن إليه، وربما أرض تدفن فيها، دون أن تشعر بغربة.
سكاكين عدّة سارت تحملها في ظهرها، وهي تبتسم، غدر تلو آخر، وهي تبتسم، أيقنت أنَّ قدر الله لا راد له، وفي الوقت نفسه قرّرت أنَّها لن تكون يومًا في منأى عن الأحزان.
صبرت على نزفها حتى غادرت أخر قطرات دمها الجسد، وماتت تبتسم لمن جاء مودعًا، ومن جاء حزينًا، وكذلك لكل من جاء شامتًا بسقوطها.

الخميس، 2 أبريل 2015

أصيص فارغ بعد الممات

الغدر لدى البعض عادة، ولدى آخرين خيانة عظمى، قد لا يحتمله البعض، إذ يخلّف لديهم جرحًا قاتلاً، ينثر سمّه ببطئ في الجسد حتى يقتل ما تبقى للقلب من رمق أخير يحيى به.

لم تكن تلك الساعة ببعيدة عن المخيلة، لكن حضورها كان مفجعًا، حين اختارها حبيبة لا زوجة، في إعلان صريح أن الخطوة الأولى كانت خطيئة، وكل الدرب الذي ساراه معًا كان وهمًا وليس حقيقة، حتى الأزهار التي زرعاها معًا ذبلت وماتت، ليبقى الأصيص من بعدها فارغًا.

سقطت منها دمعة، في لحظة غادرة، سقطت تسأل القلب، إلى متى تقبل بالردي، إلى متى تختار الألم على الحياة وتتركنا ننهمر واحدة تلو الأخرى في وحدة وعذاب.

في لحظة غادرة، كان العناق البارد موتًا لأخر لحظات الضعف.
من هنا نعود إلى البداية، من هنا سنكتب وقفة أخرى بعد السقوط.

الجمعة، 20 مارس 2015

لا يأتي إلا بالعشق



كان الحزن يطل من كل نوافذها عوضًا عن النور، ما كنت تبصر إلا الظلام، تحولت إلى كائن ليلي سرق من الحياة دمعاتها وهرب بعيدًا في الصحاري...




هكذا كان الأمر في ظاهره عذاب لا ينتهي، لم تدرك يومًا المغزى من كل العناء.. لم تدرك يومًا تلك المصائب المتلاحقة في حياتها، ما كانت أسبابها، حتى رأت يومًا بصيص نور بعيد...




عرفت للمرة الأولى أن هناك في الحياة نور أيضًا، لكنها خشيت السير وراء السراب، قررت ان تخفف من العتمة، فتحت باب الذاكرة، اجتثت منها جزءا وأخذت تراه من جوانبه كافة، وجدته مختلفا عن ما عهدته، أصبحت تعرفه بشكل أفضل فتصالحت معه، تبعت الأجزاء واحدًا تلو الآخر، هكذا حتى وجدت نفسها تقف في نور وتنظر إلى العتمة التي كانت فيها...




ذاكرتنا هي العثرة الوحيدة في طريق النور، ذاكرتنا، هي التي تزيد من قوة النفس، وتحجب من نور الروح..




قد لا نتخلص منها، لكن بإمكاننا إعادة النظر في مآسينا، بعيدًا عن كونها مآسي..




هذا لا يأتي إلا بالحب، هذا لا يأتي إلا بالإخلاص.. هذا لا يأتي إلا بالبصيرة لا الإبصار

تنتظره ينتظرها


فتحت نافذتها المطلة على البحيرة..
منذ زمن لم تره يقف هناك، منذ زمن لم تتفائل بنظرته النقية، ما كان لها إلا أن تبحث عنه, رأت اليمام يرقص رقصة الغروب في كبد السماء الصافية, جالت على أطراف البحيرة بعينيها بحثًا عنه, لم تجده، تأملت الأشجار الواقفة على كتف البحيرة معانقة أغصانها الماء, تمنت لو أنها تجده خلف أحدها يختبئ كي لاترى انتظاره, جالت بعينها السماء بحثًا عنه، لم تجد إلا الخوف من الغياب, إرتعدت أوصالها.. كان بها من العشق أن لا تحتمل إنتظار, لم تفكر للحظة كم غابت هي عنه, لكنها لم تحتمل فكرة غيابه هو عنها, انتفضت روحها على خصر البحيرة, لمحت طيفًا تهتز له أغصان الشجر, مسحت دمعها و تحققت من المشهد, رأته يخفق بجناحيه هابطًا إلى شاطئه, عائداً من رحلته البعيدة إلى بلاد الشمس..غادرت نافذتها سعيًا إلى خارج المنزل, ركضت إليه متدثرة بضوء الشمس الغاربة و الحنين.

كان طائرها الرمادي الذي طالما تفائلت به.. طائر اللقلق بجناحيه الذين طالما تمنت أن يحتضنها بهما لكنه لم يعي رغبة البشر...


عاد

لينتظرها.. او لتتنتظره

السبت، 5 يناير 2013

عقل و المدرسة


تلك الليالي الطويلة التي كنا نقضيها معا كانت الأروع دوما, على كتفه كان يجول بي الشوارع لنستمتع معا بسكون الليل و طيب عطر الياسمين الدمشقي, يحدثني عن أمه, لم يخبرني يوما عن أمي أنا شيئا, يضحك من السذاجة في فكرها, يبكي مفتقدا حنانها و إهتمامها, يصمت ثم يبدأ بالغناء... دوما ما كان يختار لبداية غنائه أغنية ( جي مالي والي) تنهمر دموعه و تسكته العبرات, يحاول التماسك ثم يعود للغناء مجددا لكنه يختار أغنية أكثر فرحا مثل ( فوق النخل أو صغيرة جنت و انت صغيرون), حفظت عنه تلك المقاطع, كانت سلوتي من بعده في ليالي الشتاء, أو ربما كنت أستدعي دفئه في وحدتي... كان يحب سرد القصص ذات المعاني العميقة لي, في بداية طريق عودتنا إلى المنزل, و كنت كثيرا ما أغفو و هو يتحدث إلي عن شوكتلي و زوجته صاحبة العبارة الشهيرة ( بزده عجايب بزده غرايب بزده الله كريم شوكتلي), لم أفهم إلى اليوم تلك العبارة و لكنها ما تزال في أذني بصوته الهادئ الحنون, رغم نسياني لمعظم تفاصيل الحكايات اليومية. بالأمس كنت أتذكره, بالأمس كنت أعد أيام غيابه عني...سيمر بعد أيام قليلة ربع قرن من الزمن على فراقنا, و ما زال بي شك حول الفراق, مازلت أحلم أن يطرق الباب يوما ليقول لي أنه ما زال حيا يرزق. في آخر مرة إفتقدته منذ حوالي العامين حطمت كل شيء يخصه ما زال بحوزتي, إستنكرت غيابه, إستنكرت ضعفي و إحتياجي لوجوده, مزقت كل الصور, و بكيت كثيرا... بالأمس أيضا تذكرت إحدى دروسه التي علمني إياها, درس استخدمه كي يقنعني بالذهاب إلى المدرسة دونه, كان يقول لي: " كان هناك ذات يوم رجل اسمه عـلم و زوجته اسمها معرفة, أنجبا طفلا سمياه عقل, عندما بلغ عقل الخامسة من عمره قررا إرساله إلى مدرسة الوجدان و الإيمان, ذهب عقل مزودا بالعلم و المعرفة, لكنه لم يقنع بكل ما كان يقال في المدرسة, فقرر أن يرحل عنها و يعود إلى والديه, في طريق عودته إلتقى بجده العجوز, أخبره عن تجربته في مدرسة الوجدان و الإيمان, إمتعض الجد لائما والديه, ثم قال لعقل: "عد إلى المدرسة و اترك العلم و المعرفة خارجها و أدخل بالفؤاد فقط و انا واثق أنك ستتعلم الكثير في المدرسة و ستكون متعتك في الحياة بعدها أكبر". عاد عقل أدراجه نحو المدرسة, ترك خارجها العلم و المعرفة و دخلها بفؤاده فقط, مرت سنة تلو الأخرى حتى أتم عقل دراسته, و إكتشف يوم تخرجه و هو يكتب خطابه إلى جده أن الإيمان محله الفؤاد و أن العلم و التفكر عبادة تعزز الإيمان و تثبت الأقدام على طريق الحق...

ثورة





قُم يا أخي


قُم و انزرع شجراً


تفيءُ بظلهِ مُزنُ السما


و اجعل دَمي مِتراسَكَ المُتقدِما


و اهجُم على الموتِ الجميلِ


فإن جُرحكَ مرتعٌ


لذئابِ هذي الأرضِ تُسكِرُها الدِما






قُم سر معي


مُتوضئاً بفراشةِ الدمِ أينما


يممتَ وجهكَ صوبَ ناصيةِ الأمانِ


فلا أمانَ و لا حِمى






كم واضِحٌ دمُنا لوجهِ البحرِ


يغسلُ جُرحَهُ بالملحِ


إن دُمنا همــــــى






كم صادحٌ بوحٌ بمئذنةِ السماء


و صادقٌ طعمُ الضما






قم يا أخي


قم سر بكفِ الأرضِ


يحضنك الحجر


و ارفع جبينك عالياً


حقلاً لسنبلةٍ يُغازِلُها القمر


نخلاً يطاولُ أنجما






يا أيها الطفلُ الذي قرأ النبوءةَ فارتمى


كي يعبُر اليوم القدر.






إدنُ فجُرحُكَ ناطقٌ


بعذابِ اجناسِ البشر

حرب بلا أديان



راهبة فرات

من معبد إيزيس

تكتب تاريخًا للجن

تصفع صمت الحملان

بأغنية لم تكتب بعد

توجّه الزمان مثلما توجّه السفائن الرياح

تقتلع المحتّل

والمختّل بالتطبيع

والذين مارسوا الخيانة

إن علنًا أو خفية

أو بين وبين!!!

*******

بردية تخطها بالمسمارية

لتكتب العهد الجديد

مرثية للحسين الشهيد

لا تنسى فيها ذكر المسيح

ونوح ينقذ القوم من طوفان وليد

******

ترسم لوحها في نينوى

خارطة طريق الإنسان

جاءت من التاريخ كلّه

وجاء من فراغه النسيان

***

تعلن عن نهاية الحرب مع الكلمة

تعلنها صارخة

تدوي في مآذن العزلة

فالحرب القائمة

بلا أديان

الحرب القائمة

بلا أديان

الأربعاء، 12 سبتمبر 2012

من المشاهد الأولى



كانت الطائرة فوق السحاب تحملها إلى البعيد، نافذة صغيرة تتسع لرؤية الشمس في الأفق في أبهى صورها، وهي تجلس إلى جوار العزيز ممسكة بذراعه بين خوف وأمل.
بين الغفوة والأخرى كانت تصحو على لمسته، وهو يدثرها جيدًا كي لا تشعر ببرد.
وصلا إلى مطار دولة عربية، وكان يختلف تمامًا عن المطار الذي غادراه، لم يخطر ببالها أبدًا تصور للآتي، كانت طفلة لم تتعلم التفكير بعد، ظلت تحمل بهجتها وتحلق بها حوله كفراشة حول نور.
حملها على أكتافه وغادر صالة الوصول ليجد بعضًا من أصدقائه ينتظرون بوجوه يعلوها الخوف، أشار إليهم مبتسمًا وتوجه نحوهم، استقبلوه بعناقات كثيرة وحفاوة، بدأ الإنفراج على وجوههم يعلو..
كانت السيارات بانتظارهم في الخارج، فأسرعوا بمغادرة صالة المطار القبيحة، داهمها الحر فاشتكت له من عناقه الشديد، ضحك لها وفك ذراعيه قليلاً من حولها، لكنه لم يبعدها أو يبتعد عنها، هل كان به خوف من نوع مًا؟
لم تعرف سببًا لتشبثه بها في تلك اللحظة.. خفض مستوى النافذة بجوارهما فدخل إليها هواء متجدد وكثير داعب وجنتيها، وتراقص شعرها الأسود المنسدل على وجهه، فعادت ضحكاتها تعلو، والفرح يغمرها.

كانت طفلة لم تعي بعد ما ينتظرها....


يتبع